الخميس، 29 أكتوبر 2026

البنك الدولي: ضعف الاستثمار الخاص يحد من نمو الاقتصاد المغربي


سلط تقرير تشخيص القطاع الخاص بالمغرب الضوء على عدد من الاختلالات البنيوية التي ما تزال تعيق تطور الاقتصاد الوطني، رغم ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من إصلاحات واستقرار اقتصادي، مؤكدا أن هذه التحديات تحد من قدرة المملكة على جذب الاستثمارات الخاصة وتسريع النمو وخلق فرص الشغل.

وأوضح الملخص التنفيذي الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي أن مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار الوطني ما تزال ضعيفة، إذ لا تتجاوز حوالي ثلث إجمالي الاستثمارات، وهو مستوى اعتبره التقرير غير كاف لتحقيق نمو اقتصادي قوي ومستدام. كما أشار إلى استمرار اعتماد الاقتصاد المغربي بشكل كبير على التمويل العمومي، ما يعكس محدودية انخراط الفاعلين الخواص في الدينامية الاقتصادية.

وسجل التقرير تباطؤا واضحا في إحداث فرص الشغل، بالتوازي مع ضعف نمو الإنتاجية واستمرار توسع الاقتصاد غير المهيكل في عدة قطاعات، وهو ما يؤثر سلبا على تنافسية المقاولات ويحد من فعالية السياسات الاقتصادية. كما اعتبر أن هذه العوامل تضعف قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الأعداد المتزايدة من طالبي الشغل، خصوصا في صفوف الشباب والنساء.

وفي ما يخص مناخ الأعمال، انتقد التقرير تعقيد الإجراءات الإدارية وطول المساطر، إلى جانب غياب التنسيق بين المؤسسات وتأخر صدور النصوص التطبيقية لبعض القوانين، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين ويؤخر تنزيل المشاريع الاستثمارية. كما أشار إلى أن تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات يثقل كاهل المستثمرين ويعرقل تنفيذ المشاريع.

كما رصد التقرير مجموعة من المعيقات الهيكلية التي تواجه المقاولات المغربية، من أبرزها المنافسة غير الرسمية والفساد وصعوبة الولوج إلى التمويل واختلالات النظام الضريبي، معتبرا أن هذه العوامل تمثل أبرز العراقيل أمام تطوير القطاع الخاص وتعزيز تنافسيته. ولفت أيضا إلى ضعف الكفاءات والمهارات، ما يحد من قدرة الشركات على الانتقال نحو أنشطة ذات قيمة مضافة مرتفعة.

وفي الجانب التكنولوجي، سجل التقرير تأخرا نسبيا في اعتماد الحلول الرقمية وتطوير البنية التحتية التكنولوجية، معتبرا أن هذا الوضع يضعف قدرة المقاولات المغربية على الابتكار والمنافسة داخل الأسواق الدولية، ويحد من اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة العالمية.

كما انتقد التقرير محدودية تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بعدد من الدول الصاعدة، معتبرا أن أداء المغرب ما يزال دون الإمكانيات المتاحة بسبب استمرار قيود هيكلية ومؤسساتية تؤثر على جاذبية البلاد للمستثمرين الدوليين.

وفي المقابل، أبرز التقرير وجود إمكانات استثمارية كبيرة غير مستغلة في أربعة قطاعات رئيسية، موضحا أن تنفيذ إصلاحات موجهة قد يسمح باستقطاب استثمارات خاصة تصل إلى نحو 7.4 مليار دولار، مع إمكانية خلق أكثر من 166 ألف فرصة عمل جديدة على المدى المتوسط.

وتشمل هذه القطاعات الطاقة الشمسية اللامركزية، والمنسوجات منخفضة الكربون، وسلسلة قيمة الأرغان ومستحضرات التجميل الطبيعية، إضافة إلى تربية الأحياء المائية البحرية. وأوضح التقرير أن قطاع الطاقة الشمسية وحده قادر على جذب استثمارات تناهز 2.9 مليار دولار، مع إحداث أكثر من 43 ألف وظيفة، فضلا عن تقليص الانبعاثات الكربونية بشكل كبير خلال العقود المقبلة.

أما قطاع المنسوجات، الذي يشغل حاليا حوالي 234 ألف عامل ويمثل نحو 10 في المائة من صادرات السلع المغربية، فيمكنه استقطاب استثمارات تصل إلى 1.9 مليار دولار وتوفير أزيد من 30 ألف فرصة عمل إضافية.

وفي ما يتعلق بقطاع الأرغان، أشار التقرير إلى أن المغرب يمتلك حوالي 830 ألف هكتار من غابات الأرغان، غير أن الصادرات الخام تهيمن بنسبة كبيرة، ما يعكس ضعف تثمين القيمة المضافة. وأكد أن تطوير سلاسل الإنتاج وتحسين الإطار التنظيمي قد يمكن من جذب استثمارات مهمة وخلق آلاف مناصب الشغل.

كما أبرز التقرير الإمكانات الكبيرة التي يوفرها قطاع تربية الأحياء المائية البحرية، الذي قد يستقطب استثمارات تناهز 1.96 مليار دولار ويوفر حوالي 75 ألف فرصة عمل، رغم استمرار التحديات المرتبطة بتعدد التراخيص وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وخلص التقرير إلى أن تجاوز هذه الاختلالات يفرض إطلاق إصلاحات عميقة ومندمجة تشمل تبسيط المساطر وتحسين الحكامة وتعزيز الشفافية وتطوير رأس المال البشري، مؤكدا أن إزالة هذه العوائق تمثل شرطا أساسيا لتمكين القطاع الخاص من لعب دوره الكامل كمحرك للنمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل بالمغرب.