الخميس، 29 أكتوبر 2026

لحظة ويب 3 في شمال إفريقيا: حوار مع كمال يوسفي


يدخل المغرب مرحلة أكثر جدية في تطوره الرقمي. عاد معرض جيتكس إفريقيا إلى مراكش في أبريل، ومنذ إطلاق مركز المغرب للتكنولوجيا المالية في يناير 2025، أصبح لدى البلاد هيكل دعم أوضح لقطاع التكنولوجيا المالية. كما بدأ بنك المغرب في منح رواد الأعمال رؤية أفضل للمسار التنظيمي لدخول السوق.

خصص المغرب موارد مالية حقيقية لخططه الرقمية. إذ يرصد برنامجه للفترة 2024-2026 حوالي 11 مليار درهم لمبادرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوسيع شبكة الألياف البصرية، إلى جانب مجموعة أوسع من الأهداف المرتبطة بالتشغيل والمهارات ورقمنة الخدمات العمومية إلى غاية 2030.

وهذا يجعل من اللحظة الحالية فرصة مناسبة لطرح سؤال حول الاتجاه الذي تسير فيه الأمور. يدفع المغرب نحو تنمية اقتصاده الرقمي في وقت تحتل فيه التكنولوجيا المالية والأصول الرقمية وتقنية السجلات الموزعة مساحة أكبر في النقاشات المالية الإقليمية. أما بالنسبة لشمال إفريقيا، فإن السؤال المطروح حاليا هو أين ستترسخ هذه الأدوات أولا، وما نوع البنية التحتية والقواعد والقدرات المحلية المطلوبة لدعمها.

أمضى كمال يوسفي سنوات في التفكير في هذه الأسئلة تحديدا. ولد في المغرب ويعمل اليوم على المستوى الدولي في مجالات البنية التحتية الرقمية وتطوير المنظومات، وقد ركز رئيس جمعية هاشغرافي جزءا كبيرا من مسيرته على التبني وبناء قدرات المطورين وتطبيقات المؤسسات. تحدثنا معه حول توجه المغرب، وعمق قاعدة المطورين في شمال إفريقيا، وأين يرى الفرص القادمة في المنطقة.

_ ولدت في المغرب وبنيت مسيرتك المهنية على المستوى الدولي. كيف أثر ذلك على نظرتك لفرص شمال إفريقيا الرقمية اليوم؟

امتلاكي ارتباطا شخصيا بالمغرب، مع قضاء جزء كبير من مسيرتي المهنية في أوروبا، يمنحني مقارنة مباشرة للغاية. لقد رأيت كيف تبدو البيئات الرقمية المتقدمة، كما رأيت أيضا حجم القدرات الموجودة في شمال إفريقيا عندما يحصل الناس على الدعم المناسب.

ما يجعل المغرب مثيرا للاهتمام هو أنه لا يبدأ من الصفر. هناك بالفعل مواهب قوية على الأرض، ويمكن ملاحظة مزيد من الجهد حاليا في تطوير الأنظمة التي تساعد هذه المواهب على النمو.

_ التزم المغرب بأكثر من 1.1 مليار دولار ضمن استراتيجيته الرقمية 2030، مع صعود الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والبنية التحتية الرقمية إلى صدارة الأولويات. من وجهة نظرك، هل يبدو هذا كدفع جاد نحو بناء البنية التحتية أم لا يزال في إطار الطموح السياسي؟ وما الذي يصنع الفرق؟

لا أحكم على الأمر من خلال الرقم الإجمالي أو أسماء التقنيات الواردة في الاستراتيجية. الأرقام الكبيرة والوثائق الاستراتيجية مهمة، لكنها لا تخبرنا إلا بجزء من الصورة. السؤال الحقيقي هو ما الذي يتغير بعد ذلك. هل يصبح البناء أسهل؟ هل تبدأ المشاريع الجدية في التحرك؟ هل تبدأ المؤسسات في الانخراط بطريقة أكثر عملية؟

عادة ما يتضح عند هذه المرحلة ما إذا كان هناك تغيير حقيقي. السياسات الطموحة تتحدث عما تريد الدولة أن تصبح عليه. أما الدفع الجاد نحو البنية التحتية فيبدأ بتغيير الظروف على الأرض. يصبح من الأسهل البناء والاختبار والحصول على الدعم، كما يصبح من الأسهل جمع الفاعلين العموميين والخواص ضمن نفس العملية.

يبدو أن المغرب يتجه في هذا المسار. لكن الاختبار الحقيقي ليس في الاستراتيجية نفسها، بل في ما إذا كنا سنرى بعد عامين أو ثلاثة مزيدا من الشركات التي تتوسع، ومزيدا من المؤسسات التي تعتمد هذه الحلول، ومزيدا من الأمثلة العملية لاستخدام التكنولوجيا.

_ رغم الحظر الطويل للعملات الرقمية في المغرب، استمر استخدام الأصول الرقمية في النمو، بينما يستكشف بنك المغرب إصدار عملة رقمية للبنك المركزي. كيف تقرأ هذه الفجوة بين التنظيم والواقع؟

أعتقد أن ذلك يدل على أن السوق موجود بالفعل، سواء واكبته القوانين أم لا. عندما يواصل الناس استخدام الأصول الرقمية رغم الحظر، فهذا يشير إلى وجود طلب حقيقي.

ما يثير الاهتمام الآن هو أن المغرب يبدو وكأنه ينتقل من المنع إلى التنظيم. بنك المغرب لا يزال حذرا، لكنه يبحث أيضا في كيفية إدماج الأصول الرقمية والعملات الرقمية للبنوك المركزية ضمن إطار أكثر رسمية.

لذلك أرى هذا التوتر كجزء من مرحلة انتقالية. التكنولوجيا وصلت بالفعل، والسياسات تحاول الآن تحديد كيفية إدماجها داخل نظام مالي منظم.

_ استقطبت مسابقة هيديرا إفريقيا 13 ألف مطور و1300 مشروع من أكثر من 20 مدينة إفريقية. ماذا كشف ذلك لك حول مواهب ويب 3 في شمال إفريقيا؟

أظهر لنا ذلك أن شمال إفريقيا يمتلك عمقا حقيقيا في المواهب. ليس فقط من حيث الفضول، بل من حيث القدرة على البناء والتكيف بسرعة والتفكير العملي في استخدام هذه التقنيات.

بعض الفرق كانت تفكر بالفعل بشكل واقعي في مجالات مثل التمويل والهوية والاستدامة، وليس مجرد التجريب. كما جذب الحدث مشاركين من مجالات متعددة مثل التمويل والصحة والاتصالات والزراعة والصناعة، إضافة إلى حضور قوي للجامعات وحاضنات التكنولوجيا المحلية، ما منحه بعدا أكثر جدية من مسابقات مماثلة.

الخطوة التالية هي ضمان وجود مسار لهذه المواهب. نحن ندعم ذلك بشكل أكثر جدية الآن، بما في ذلك التزام بقيمة مليون دولار عبر هاشغرافي فنتشرز. لكن السؤال الأكبر هو ما الذي سيحدث بعد ذلك، وهل ستحصل الفرق الجيدة على الدعم والتمويل والإرشاد اللازم للاستمرار.

_ عقدتم شراكات مع منظمات محلية مثل دار بلوكشين ونفذتم برامج تعليمية في المغرب وقطر. كيف تنظرون إلى بناء القدرات المحلية بدلا من الاعتماد على خبرات خارجية؟

بالنسبة لي، يجب أن تأتي القدرات المحلية أولا. يمكن الاستعانة بخبرات خارجية، وقد يكون ذلك مفيدا، لكن إذا ظل العمل يعتمد عليها بعد عام، فهذا يعني أن القدرات المحلية لم تُبنَ فعلا.

لهذا تعتبر الشراكات المحلية مهمة. منظمات مثل دار بلوكشين تفهم مجتمع المطورين المحلي والمؤسسات وسرعة السوق والتحديات العملية. هذا لا يمكن الحصول عليه من برامج تُصمم عن بعد.

الخبرات الخارجية لها دور أيضا، فهي تفتح الشبكات وتختصر وقت التعلم، لكن الهدف الحقيقي هو أن تبقى القدرات داخل البلد وتستمر بعد انتهاء البرامج، وهو ما يضمن الاستدامة.

_ تقع شمال إفريقيا بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء والخليج. هل يعد الشمول المالي الاستخدام الرئيسي لويب 3 هناك، أم أن الفرص الأكبر في مجالات أخرى؟

الشمول المالي جزء من الصورة، لكنه ليس كل شيء. الفرصة الأكبر تكمن في بناء بنية تحتية رقمية تعمل عبر الحدود والمؤسسات والعملات.

المدفوعات مثال واضح، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالكلفة والبطء، لكن الهوية والتجارة والامتثال وحركة القيمة بشكل عام لا تقل أهمية.

وهذا ليس نظريا فقط. ففي فبراير، وقع مرفق دعم الشمول المالي الرقمي التابع للبنك الإفريقي للتنمية اتفاق منحة مع بنك المغرب لدعم قبول المدفوعات الإلكترونية وتعزيز الشمول المالي في المغرب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بالبنية التحتية للمدفوعات.

_ ترى أن القطاعات المنظمة بشدة تحتاج إلى أكثر من مجرد اللامركزية. كيف يتفاعل ذلك مع حكومات شمال إفريقيا التي لا تزال بصدد صياغة مقاربتها لتقنية السجلات الموزعة؟

هذا الطرح يجد صدى لدى الحكومات، لأنه يطرح مسألة المسؤولية. من يدير النظام؟ من يتحمل المسؤولية عند وقوع خطأ؟

لهذا لا تكفي اللامركزية وحدها في جميع الحالات. في القطاعات المنظمة، نحتاج أيضا إلى المساءلة ونماذج حكامة واضحة تتواءم مع عمل المؤسسات.

في شمال إفريقيا، يصبح النقاش أكثر واقعية عند الانتقال إلى حالات استخدام فعلية وإشراف حقيقي، حيث يصبح النموذج العام المصرح به أكثر قابلية للفهم.

_ عودة جيتكس إفريقيا إلى مراكش، وإطلاق مركز المغرب للتكنولوجيا المالية، والنمو في قطاع التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كلها تشير إلى نفس الاتجاه. هل يبدو ذلك كنقطة تحول؟

أفضل عدم وصفها بنقطة تحول، لأن ذلك يتضح عادة بعد وقوعه. لكن الأجواء تبدو مختلفة. ما كان يبدو متفرقا قبل سنوات أصبح اليوم أكثر ترابطا. يجلب جيتكس الاهتمام الدولي، ويوفر مركز المغرب للتكنولوجيا المالية نقطة ارتكاز لهذا الاهتمام، بينما يجعل الزخم الإقليمي السوق أكثر جاذبية. كما يضيف الدليل التنظيمي الجديد لبنك المغرب وضوحا لمسار دخول السوق.

السؤال الحقيقي ليس في لحظة واحدة، بل في مدى توفر الشروط المناسبة للبناء. يبدو أن دفع المغرب نحو التكنولوجيا المالية أصبح أكثر واقعية، لكن الدليل سيكون في النتائج: شركات جديدة، شراكات قوية، ومنتجات تدخل في الاستخدام اليومي.

_ يُنظر إلى ممر التحويلات بين الخليج وشمال إفريقيا كأحد محركات النمو للتمويل القائم على التوكن. ما الذي يتطلبه جعل المدفوعات عبر الحدود أسرع وأقل تكلفة؟

أكبر المكاسب تتحقق عندما يتم تقليل التعقيد في كامل مسار الدفع، وليس جزءا منه فقط. تظل التحويلات مكلفة بسبب تعدد الوسطاء وتعقيد العمليات وطول مدة التسوية.

لتحقيق ذلك، يجب أن تعمل التقنية ضمن نظام عملي يشمل البنوك ومزودي الخدمات والجهات التنظيمية، مع قواعد واضحة ومعايير مشتركة وإدارة فعالة للامتثال والهوية والعملات.

عند توفر هذه الشروط، يمكن لتقنية السجلات الموزعة تسريع التسويات وخفض التكاليف بشكل ملموس.

_ عند تأسيس مجلس هيديرا في 2018، لم تكن إفريقيا والشرق الأوسط أسواقا واضحة. ما الذي تغير؟

لم يكن الأمر يتعلق باتباع اتجاه، بل بقضاء وقت أطول في المنطقة واكتشاف أن الفرص أكثر واقعية مما كان يُعتقد. هناك قدرات تقنية واهتمام مؤسساتي وفجوات واضحة يمكن معالجتها.

كما اتضح أن التبني لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على التعليم والشراكات والتمويل والوجود المحلي.

_ كيف تقارن بين شمال إفريقيا والخليج في هذا المجال؟

الخليج متقدم من حيث التمويل وسرعة تنفيذ البرامج. أما شمال إفريقيا فلا يزال في مرحلة مبكرة، رغم توفر المواهب.

الفرق ليس في القوة، بل في المرحلة. الخليج يشهد توسعا أسرع، بينما يحتاج شمال إفريقيا إلى دعم أكبر لتحويل الإمكانيات إلى شركات قابلة للنمو.

_ كيف يمكنك تقييم النجاح بعد عامين؟

النجاح لا يعني المزيد من النقاش، بل وجود تطبيقات فعلية يمكن الإشارة إليها.

كما يعني وجود قدرات محلية أقوى، وفرق مستمرة، وتعاون عملي بين الجامعات والشركات والمؤسسات.

الأمر يعتمد على وضوح القواعد وتوفير التمويل، لكن الاختبار الحقيقي هو تحويل النشاط إلى تطبيقات مستدامة على أرض الواقع.