في ظل الارتفاع المتسارع لأسعار النفط في الأسواق العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، عاد النقاش مجدداً حول دور الحكومات في حماية القدرة الشرائية للمواطنين من تقلبات أسعار الطاقة.
وفي هذا السياق أعلن رئيس الوزراء الكرواتي Andrej Plenković أن بلاده ستعتمد ابتداءً من الثلاثاء تسقيفاً لأسعار البنزين والديزل في محطات الوقود، في خطوة تهدف إلى الحد من انعكاسات الارتفاع العالمي للأسعار على المواطنين. ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه الأسواق النفطية اضطرابات كبيرة في الإمدادات، ما دفع عدداً من الدول إلى التفكير في إجراءات استثنائية لضبط السوق الداخلي.
هذا التطور أعاد طرح سؤال مهم داخل المغرب حول ما إذا كانت الحكومة قد تفكر في العودة إلى تسقيف أسعار المحروقات، خاصة في ظل المخاوف من ارتفاع كبير في الأسعار خلال الأسابيع المقبلة إذا استمرت التوترات الإقليمية وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية.
فالمغرب، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد الطاقة، يبقى من أكثر الدول تأثراً بتقلبات أسعار النفط في السوق الدولية.
وكان المغرب قد قرر سنة 2015 تحرير أسعار المحروقات بشكل كامل، وهو القرار الذي أنهى نظام الدعم المباشر للبنزين والغازوال وربط الأسعار في السوق الوطنية بتقلبات السوق الدولية. ومنذ ذلك الحين أصبحت شركات التوزيع تحدد الأسعار وفق كلفة الاستيراد والنقل وهوامش الربح، في إطار نظام السوق الحرة. غير أن هذا التحرير ظل محل نقاش سياسي واجتماعي واسع، خصوصاً خلال فترات الارتفاع الحاد للأسعار التي تؤثر بشكل مباشر على كلفة النقل والمواد الاستهلاكية.
ومع كل موجة ارتفاع جديدة في أسعار النفط يعود الجدل حول ضرورة تدخل الدولة لتخفيف الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين. وقد طالبت عدة جهات، من بينها مهنيون في قطاع النقل وبعض الهيئات النقابية والسياسية، بضرورة تحديد سقف للأسعار أو على الأقل تقنين هوامش أرباح شركات توزيع المحروقات. ويرى أصحاب هذا الطرح أن تدخل الدولة في مثل هذه الظروف الاستثنائية قد يكون ضرورياً لتفادي انعكاسات اجتماعية واقتصادية أوسع.
في المقابل، تؤكد الحكومة في أكثر من مناسبة أن تحرير الأسعار كان خياراً استراتيجياً يهدف إلى إصلاح منظومة الدعم وتوجيه الموارد المالية نحو قطاعات اجتماعية أخرى. كما تعتمد السلطات في بعض الحالات على آليات دعم موجهة لبعض القطاعات الحساسة، مثل الدعم الذي قدم لقطاع النقل المهني خلال فترات ارتفاع أسعار الوقود في السنوات الأخيرة.
وبين خيار الحفاظ على منطق السوق الحرة وخيار التدخل لضبط الأسعار، يبقى مستقبل سياسة المحروقات في المغرب مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات السوق الدولية. فإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع ووصلت إلى مستويات قياسية، فقد تجد الحكومة نفسها أمام ضغوط متزايدة لإعادة النظر في بعض آليات ضبط السوق، سواء عبر تحديد سقف للأسعار بشكل مؤقت أو من خلال إجراءات تنظيمية تحد من تقلباتها.
وفي انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في الأسواق العالمية، يبقى ملف المحروقات أحد أكثر الملفات حساسية في المغرب، نظراً لتأثيره المباشر على كلفة المعيشة وعلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
ومع تزايد المخاوف من موجة ارتفاع جديدة في أسعار الطاقة، يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان المغرب سيسير على خطى بعض الدول التي اختارت التدخل لحماية السوق الداخلية، أم سيواصل الاعتماد على آليات السوق الحرة مع إجراءات دعم ظرفية عند الحاجة.