تتجه مكافحة داء السل البقري اليوم إلى صدارة الأولويات الصحية والفلاحية في المغرب، في إطار إستراتيجية وطنية يقودها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية وتعتمد على المراقبة البيطرية وتتبع مسار القطيع ومواكبة المربين بهدف حماية الصحة العمومية وتعزيز تنافسية القطاع.
ويعد هذا المرض الحيواني المنشأ تحديا مستمرا للاقتصاد الفلاحي وللسلامة الصحية، وهو ما أكده وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري في جواب كتابي وجهه إلى مستشارة برلمانية بتاريخ 24 فبراير 2026، حيث قدم معطيات رقمية حول حجم الجهود المبذولة للحد من انتشار المرض.
وكشفت المعطيات أنه تم خلال السنوات الأخيرة رصد نحو 27 ألفا و500 حالة إصابة داخل القطيع الوطني، وهو ما استدعى إخضاع الحيوانات المصابة للذبح الإجباري وفق الضوابط الصحية المعمول بها، مع اعتماد نظام لتعويض المربين المتضررين احتراما للنصوص القانونية ودعما للفاعلين في القطاع.
ويستند الإطار التنظيمي المغربي إلى مقتضيات الظهير بمثابة قانون رقم 1-75-292 الصادر في 19 شتنبر 1977 الذي يصنف المرض ضمن الأمراض المعدية قانونا ويلزم بالتصريح به، إضافة إلى القرار الوزاري رقم 837-13 الصادر في 8 مارس 2013 الذي يحدد تدابير الشرطة الصحية البيطرية، ما يشكل أساسا قانونيا صارما لمحاصرة المرض وحماية صحة الإنسان والحيوان.
وبموازاة ذلك، تم تعزيز مراقبة السلامة الصحية للمواد الغذائية وخاصة الحليب ومشتقاته، من خلال تفعيل القانون رقم 28-07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والقانون رقم 13-83 المتعلق بزجر الغش في البضائع. ويقوم المكتب الوطني للسلامة الصحية سنويا بتنفيذ برنامج مراقبة شامل لرصد بقايا المضادات الحيوية والمواد المحظورة والمبيدات، عبر أخذ عينات مخبرية منتظمة لضمان احترام معايير الجودة والسلامة.
وتشمل الإستراتيجية الوطنية برنامجا طويل المدى للقضاء التدريجي على المرض يقوم على الكشف المنتظم عبر اختبار التوبركولين، وإبرام شراكات مع المربين، وتعزيز شروط النظافة والوقاية داخل الضيعات، ومراقبة نقاط البيع من خلال لجان محلية مشتركة. كما توصي السلطات المستهلكين باقتناء الحليب ومشتقاته من وحدات مرخصة تحمل رقم اعتماد صحي وتحترم سلسلة التبريد، بما يعزز الثقة في المنتوج الوطني ويحد من المخاطر الصحية.
ويظل القضاء النهائي على السل البقري مسارا معقدا ومكلفا يتطلب تعبئة مالية وبشرية مستمرة، غير أن التزام السلطات وتعاون المربين ويقظة المستهلكين يشكل عناصر حاسمة لتحقيق هذا الهدف الصحي والاقتصادي الاستراتيجي.