المقدمة:
تعد السياسة الخارجية من أكثر مجالات الفعل السياسي تعبيرا عن طبيعة الدولة وبنية نظامها السياسي، إذ تمثل المجال الذي تتقاطع فيه اعتبارات السيادة، والشرعية، والمصلحة الوطنية، مع إكراهات النسق الدولي وتحولاته المتسارعة. ولا تكتفي السياسة الخارجية بكونها أداة لتنظيم علاقات الدولة مع محيطها الخارجي، بل تتجاوز ذلك لتغدو مرآة تعكس كيفية توزيع السلطة داخل النظام السياسي، وحدود التفاعل بين الفاعلين الدستوريين، ومدى قدرة الدولة على التوفيق بين الاستمرارية والتكيف.
وفي هذا الإطار، يكتسي تحليل السياسة الخارجية المغربية أهمية خاصة، بالنظر إلى الخصوصية التاريخية والمؤسساتية للنظام الملكي، الذي جعل من المجال الخارجي أحد أكثر المجالات ارتباطا بالمؤسسة الملكية، سواء من حيث الشرعية الدستورية أو من حيث الممارسة السياسية. فقد ظل هذا المجال، لعقود طويلة، محكوما بمنطق المركزية والسرية النسبية، باعتباره مجالا سياديا حساسا يتطلب وحدة القرار واستمرارية التوجه.
غير أن اعتماد دستور 2011 مثل منعطفا دستوريا مهما في التاريخ السياسي المغربي، حيث جاء في سياق إقليمي ودولي اتسم بتصاعد مطالب الإصلاح السياسي، وتعزيز المشاركة، وتوسيع دائرة الفاعلين في تدبير الشأن العام. وقد شمل هذا التحول، من حيث المبدأ، مختلف السياسات العمومية، بما فيها السياسة الخارجية، من خلال إعادة توزيع بعض الاختصاصات، وتعزيز أدوار الحكومة والبرلمان، وإدماج مبادئ جديدة كالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هنا، تبرز الإشكالية المركزية التي يسعى هذا المقال إلى معالجتها، والمتمثلة في التساؤل حول مدى انعكاس التحول الدستوري لسنة 2011 على منطق صناعة السياسة الخارجية المغربية:
هل أفرز الدستور انتقالا فعليا نحو سياسة خارجية أكثر مؤسساتية وتشاركية؟ أم أن منطق الاستمرارية ظل هو الإطار الحاكم لهذا المجال، مع إدخال تعديلات شكلية على مستوى الأدوار دون المساس بجوهر القرار؟
وانطلاقا من هذه الإشكالية، يعتمد هذا المقال مقاربة تحليلية – تفسيرية، تسعى إلى تجاوز الوصف القانوني للنصوص، والانتقال إلى تحليل الممارسة العملية للسياسة الخارجية، من خلال محورين رئيسيين: يتناول الأول منطق صناعة القرار الخارجي وأدوار الفاعلين الدستوريين كما تتجلى في الواقع، بينما يركز الثاني على الثوابت والمحددات الاستراتيجية التي تؤطر الاختيار الخارجي المغربي، مع الاستعانة بأمثلة تطبيقية توضح كيفية تفاعل النص الدستوري مع الممارسة السياسية.
المحور الأول: منطق صناعة القرار في السياسة الخارجية المغربية بين المركزية الاستراتيجية والتعدد الوظيفي
يظهر تحليل السياسة الخارجية المغربية أن توزيع الأدوار بين الفاعلين الدستوريين لا يعني بالضرورة توزيعا متكافئا للسلطة في مجال اتخاذ القرار. فبينما شهدت البنية الدستورية بعد 2011 توسعا نسبيا في عدد المتدخلين، ظل القرار الخارجي محكوما بمنطق مركزية القيادة الاستراتيجية، التي تتولاها المؤسسة الملكية.
أولا: القيادة الملكية كمرتكز حاسم لصناعة القرار الخارجي
تحتل المؤسسة الملكية موقع القلب في السياسة الخارجية المغربية، وهو موقع يستند إلى شرعية دستورية واضحة، لكنه يتجاوز النص ليشمل بعدا تاريخيا ورمزيا واستراتيجيا. فالملك، بصفته رئيس الدولة وممثلها الأسمى، لا يقتصر دوره على المصادقة أو التوجيه العام، بل يضطلع عمليا بتحديد الأولويات الكبرى، وضبط سقف الحركة الدبلوماسية لباقي الفاعلين.
ويتجلى هذا الدور بوضوح في القضايا المصنفة ضمن المجال السيادي، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية. ففي هذا الملف، لا تترك المبادرة للفاعلين التنفيذيين أو الحزبيين، بل تدار وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى، تترجم عبر الخطابات الملكية، والزيارات الرسمية، والقرارات الكبرى مثل العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، أو إعادة هيكلة العلاقات مع بعض الشركاء الدوليين بناء على مواقفهم من الوحدة الترابية.
وتبرز هنا خاصية أساسية في السياسة الخارجية المغربية، تتمثل في الفصل بين تعدد الفاعلين ووحدة القرار، حيث يسمح بتعدد مستويات الاشتغال الدبلوماسي، دون أن يعني ذلك تعددا في مراكز اتخاذ القرار.
ثانيا: الحكومة كفاعل تنفيذي داخل سقف استراتيجي محدد
منح دستور 2011 للحكومة مكانة دستورية معززة، ونص على مسؤوليتها في تنفيذ السياسة العامة للدولة، بما فيها السياسة الخارجية. غير أن تحليل الممارسة العملية يبين أن دور الحكومة يظل محصورا في تنفيذ الاختيارات المرسومة سلفا، دون أن يمتد إلى إعادة صياغة التوجهات الاستراتيجية.
ويتجسد هذا الدور التنفيذي بوضوح في مجالات مثل الدبلوماسية الاقتصادية، والتعاون التقني، وتدبير العلاقات الثنائية ذات الطابع العملي. فعلى سبيل المثال، تضطلع الحكومة بدور محوري في التفاوض حول الاتفاقيات التجارية، وجلب الاستثمارات، ومواكبة الشركات المغربية في الخارج، غير أن هذه الأنشطة تندرج دائما ضمن رؤية شاملة لا تحددها الحكومة بمفردها، بل تضبط على مستوى أعلى.
ويكشف هذا المعطى عن نمط خاص من توزيع الوظائف، حيث تمنح الحكومة هامش حركة واسع نسبيا في الجوانب التقنية، مقابل احتفاظ المؤسسة الملكية بالقرار الاستراتيجي، وهو ما يضمن الانسجام والاستمرارية، لكنه يحد في المقابل من الطابع التشاركي لصناعة القرار الخارجي.
ثالثا: البرلمان والدبلوماسية الموازية كأدوات دعم لا كآليات تقرير
أقر دستور 2011 أدوارا محددة للبرلمان في المجال الخارجي، لا سيما من خلال المصادقة على بعض المعاهدات، وممارسة الدبلوماسية البرلمانية. كما أتاح المجال أمام الأحزاب السياسية والمجتمع المدني للمساهمة في ما يعرف بالدبلوماسية الموازية.
غير أن هذه الأدوار تظل، في جوهرها، ذات طابع داعم وترافعي، ولا ترقى إلى مستوى المشاركة في صناعة القرار. فالدبلوماسية البرلمانية، على سبيل المثال، تلعب دورا مهما في شرح المواقف الرسمية، وبناء شبكات علاقات داخل المنتديات الدولية، لكنها لا تملك سلطة تعديل التوجهات أو التأثير في توقيت القرارات الكبرى.
المحور الثاني: الثوابت والمحددات الاستراتيجية للسياسة الخارجية المغربية – تفسير الاستمرارية في سياق التحول
إذا كان المحور الأول قد أظهر أن التحول الدستوري لم يحدث قطيعة في منطق صناعة القرار، فإن هذا المعطى لا يمكن فهمه دون تحليل الثوابت والمحددات التي تؤطر السياسة الخارجية المغربية، وتمنحها طابع الاستمرارية.
أولا: الوحدة الترابية كمنظم أعلى للاختيار الخارجي
تعد قضية الوحدة الترابية الثابت المركزي في السياسة الخارجية المغربية، وهي ثابتة لا تخضع لمنطق التفاوض أو المراجعة، بل تشكل معيارا يقاس به مستوى الشراكة أو التباعد مع الدول الأخرى. ويظهر هذا المعطى بوضوح في كيفية ترتيب الأولويات الدبلوماسية، وفي اعتماد سياسة مرنة أو صارمة تبعا لمواقف الفاعلين الدوليين من هذه القضية.
وقد أفرز هذا الثابت نمطا خاصا من السلوك الخارجي، يقوم على توظيف مختلف الأدوات الدبلوماسية، من العلاقات الثنائية إلى العمل داخل المنظمات الدولية، وصولا إلى الدبلوماسية الاقتصادية والدينية، لخدمة هدف استراتيجي واحد يتمثل في تعزيز الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء.
ثانيا: الجغرافيا والدبلوماسية متعددة الأبعاد
يلعب الموقع الجغرافي للمغرب دورا حاسما في توجيه سياسته الخارجية، إذ يوجد عند تقاطع فضاءات استراتيجية متعددة: أوروبا، إفريقيا، العالم العربي، والفضاء الأطلسي. وقد مكن هذا الموقع المملكة من تبني سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، تقوم على تنويع الشراكات وتفادي الارتهان لمحور واحد.
ويعد التوجه نحو العمق الإفريقي مثالا واضحا على هذا المنطق، حيث لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل توجها استراتيجيا شاملا، شمل التعاون السياسي، والديني، والأمني، وهو ما عزز مكانة المغرب كفاعل إقليمي مؤثر.
ثالثا: الدبلوماسية الدينية كأداة قوة ناعمة
من الخصوصيات البارزة في السياسة الخارجية المغربية اعتماد الدبلوماسية الدينية، القائمة على إمارة المؤمنين ونشر نموذج الإسلام الوسطي. وقد ترجمت هذه الدبلوماسية عمليا من خلال برامج تكوين الأئمة الأفارقة، وإحداث مؤسسات دينية مشتركة، وتوظيف البعد الروحي لتعزيز الاستقرار ومواجهة التطرف.
ويمثل هذا النموذج مثالا على كيفية تحويل الخصوصية الدستورية والثقافية إلى أداة فاعلة في السياسة الخارجية، دون تعارض مع الالتزامات الدولية للمملكة.
ختاما يخلص هذا المقال إلى أن السياسة الخارجية المغربية في ظل دستور 2011 تدار وفق معادلة دقيقة تجمع بين التحول في الشكل والاستمرارية في الجوهر. فقد أسهم الدستور في توسيع دائرة الفاعلين، وتعزيز الطابع المؤسساتي للخطاب الخارجي، لكنه لم يحدث تحولا جذريا في منطق صناعة القرار، الذي ظل محكوما بمركزية القيادة الاستراتيجية والثوابت الوطنية.
وعليه، يمكن القول إن خصوصية النموذج المغربي تكمن في قدرته على التوفيق بين الاستقرار والانفتاح، وبين وحدة القرار وتعدد أدوات الفعل، وهو ما يفسر قدرته على الحفاظ على موقعه الإقليمي والدولي في سياق دولي شديد التحول.
عبدالرحمن سعيد فارع
باحث مختص بالسياسة الخارجية - عضو المركز المغربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية