لم يكن تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين المغرب ومصر، الذي كان مقررا عقده بالقاهرة، مجرد تعديل عابر في جدول الأعمال الدبلوماسي، بل خطوة أثارت تساؤلات حول طبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقات بين الرباط والقاهرة. فهذه اللجنة تمثل أعلى إطار مؤسساتي للتنسيق السياسي والاقتصادي بين البلدين، وعقدها عادة ما يعكس مستوى الثقة والإرادة المشتركة للدفع بالتعاون نحو آفاق أوسع. لذلك فإن إرجاءها، حتى وإن برر رسميا بانتظار تعديل حكومي مرتقب في مصر، جاء في سياق إقليمي ودبلوماسي يجعل من الصعب فصله عن محيطه السياسي.
تزامن التأجيل مع مؤشرات فسرها بعض المراقبين على أنها تعكس مناخا أقل دفئا مما كان عليه في مراحل سابقة. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري بشأن حرب الرمال وما أعقبها من إشادة مصرية بعمق العلاقات مع الجزائر أعادت إلى الواجهة ذاكرة تاريخية حساسة بالنسبة للمغرب، حتى وإن ظل الموقف المصري في حدود التعبير عن علاقات ثنائية لا تستهدف طرفا بعينه.
في المقابل، يظل التقارب المغربي الإثيوبي، خاصة في جانبه العسكري، محل متابعة مصرية دقيقة في ظل استمرار التوتر حول ملف سد النهضة، وهو ملف يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري ويؤثر في قراءتها لتحركات شركائها الإقليميين.
اقتصاديا، تبدو العلاقة بين البلدين قائمة على معادلة تجمع بين الطموح والاحتكاك. فهناك إرادة سياسية معلنة لتعزيز المبادلات والاستثمارات وفتح آفاق أوسع للتعاون داخل القارة الإفريقية، غير أن الواقع يشهد أحيانا توترات تجارية وصعوبات مرتبطة بولوج الأسواق وتباين المصالح القطاعية. وكانت اللجنة العليا المرتقبة فرصة لإعادة ضبط إيقاع الشراكة وإعطاء إشارات إيجابية للفاعلين الاقتصاديين في البلدين، خاصة في ظل تحولات اقتصادية إقليمية متسارعة تتطلب تنسيقا أكبر.
ورغم هذه المؤشرات، لا يمكن الحديث عن تحول جذري في مسار العلاقات المغربية المصرية، إذ يجمع البلدين تاريخ من التنسيق داخل الأطر العربية والإفريقية، إضافة إلى تقاطع مصالح استراتيجية في عدد من الملفات الإقليمية. غير أن المرحلة الحالية تتسم بارتفاع منسوب الحساسية في المنطقة، ما يجعل أي خطوة، ولو كانت تنظيمية، قابلة للتأويل السياسي. ومن ثم فإن تأجيل اللجنة يعكس في جانب منه طبيعة العلاقة المركبة بين البلدين، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد وتتأثر القرارات الثنائية بموازين القوى الإقليمية.
يبدو أن الرباط والقاهرة أمام اختبار جديد لقدرتهما على إدارة التباينات الظرفية دون المساس بأسس الشراكة الاستراتيجية. فإعادة جدولة الاجتماع في أقرب الآجال وتقديم إشارات واضحة حول متانة العلاقات قد يشكلان رسالة طمأنة ضرورية، ليس فقط للرأي العام، بل أيضا للفاعلين الاقتصاديين والشركاء الإقليميين. وبين التبريرات الرسمية وقراءات المحللين، يبقى الثابت أن العلاقات بين المغرب ومصر تظل أكبر من محطة تأجيل، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بتجديد وضوحها في زمن التحولات الكبرى.