الجمعة، 06 فبراير 2026

بنى أحفورية نادرة في جبال الأطلس بالمغرب تفتح بابا جديدا لفهم نشأة الحياة


كشفت بنى أحفورية قديمة منطبعة على صخور كانت توجد في أعماق المحيط عن معطيات جديدة تدفع العلماء إلى توسيع نطاق البحث عن أقدم أشكال الحياة على الأرض، وعدم حصره في البيئات البحرية الضحلة كما كان سائدا.

وتتمثل هذه الاكتشافات في آثار متجعدة تعود لمستعمرات ميكروبية قديمة، عثر عليها في مرتفعات الأطلس الكبير الأوسط بالمغرب، وكانت منطبعة على صخور تعرف باسم الترسبات العكرة، وهي رواسب ناتجة عن انهيارات أرضية تحت مائية. وقد أثار وجود هذه البنى دهشة الباحثين، لأن الحصائر الميكروبية المعروفة اليوم تنمو غالبا في مياه ضحلة تسمح بمرور الضوء الضروري للبكتيريا الضوئية.

غير أن الترسبات التي عثر عليها في المغرب كانت تقع، عند تشكلها قبل نحو 180 مليون سنة، على عمق لا يقل عن 180 مترا تحت سطح البحر، وهو ما يجعل وجود بنى ناتجة عن كائنات ضوئية أمرا مستبعدا. وقالت عالمة الجيولوجيا الحيوية روان مارتنديل من جامعة تكساس في أوستن إن مثل هذه التراكيب "لا يفترض أن توجد في بيئة بحرية عميقة كهذه".

وجاء هذا الاكتشاف ضمن دراسة نشرت في مجلة "جيولوجي" في الثالث من ديسمبر، قادتها مارتنديل التي عثرت على هذه الآثار بشكل عرضي أثناء دراستها لشعاب مرجانية قديمة في وادي دادس، حيث لاحظت أثناء سيرها تموجات دقيقة تشبه التجاعيد على صخور من الحجر الرملي والطمي.

وتشبه هذه التراكيب آثار حصائر ميكروبية، وهي تجمعات طبقية من البكتيريا غالبا ما تتشكل فوق الرواسب في البحار والبرك ومسطحات مائية اخرى. وعادة ما تعود هذه الآثار إلى فترات أقدم من 540 مليون سنة، نظرا لأن نشاط الكائنات الحيوانية اللاحق يؤدي إلى طمسها، في حين كانت الحياة الحيوانية نادرة قبل ذلك التاريخ.

وأكد الباحثون أن هذه الكائنات لم تكن تعتمد على التمثيل الضوئي، نظرا لضعف نفاذ الضوء إلى هذا العمق، إلا أن التحاليل الكيميائية أظهرت نسبا مرتفعة من الكربون في الطبقات الصخرية، وهو ما يعد مؤشرا واضحا على نشاط حيوي. ويرجح الفريق العلمي أن هذه الكائنات كانت تعتمد على التخليق الكيميائي، أي الحصول على الطاقة من تفاعلات كيميائية بدل ضوء الشمس، عبر استهلاك مركبات مثل الكبريت أو غيره.

وأوضح الباحثون أن الانهيارات الأرضية البحرية ربما لعبت دورا محوريا في ازدهار هذه الكائنات، إذ كانت تجرف مواد عضوية من المناطق القارية نحو الأعماق، حيث تتحلل وتنتج مركبات كالميثان أو كبريتيد الهيدروجين، التي تشكل مصدرا غذائيا مثاليا لهذا النوع من الحياة. وبين فترات الانهيارات، كانت الحصائر الميكروبية تنمو، وفي بعض الحالات تم محوها، وفي حالات اخرى حفظت آثارها داخل الصخور.

ويشير هذا الاكتشاف إلى ضرورة توسيع نطاق البحث عن هذه البنى المتجعدة ليشمل الصخور التي تشكلت في بيئات بحرية عميقة، ما قد يفتح آفاقا جديدة لفهم أقدم أشكال الحياة التخليقية كيميائيا على الأرض. واعتبرت مارتنديل أن هذه التراكيب تمثل "دلائل بالغة الاهمية لفهم المراحل المبكرة لتطور الحياة".