مع كل موجة أمطار غزیرة، تدخل مدینة القصر الكبیر دائرة الطوارئ، وتعود الفیضانات لتفرض نفسھا كعنوان رئیسي للمعاناة الاجتماعیة. فالمشھد یتكرر من جدید أحیاء غارقة، منازل متضررة، وأسر تجد نفسھا في مواجھة فقدان مفاجئ للاستقرار. غیر أن ما یحدث لا یمكن اختزاله في كونه ظاھرة طبیعیة، بل ھو نتیجة مباشرة لاختلالات اجتماعیة وتدبیریة تراكمت على مدى سنوات.
تقع القصر الكبیر بمحاذاة وادي اللوكوس، أحد أكبر الأودیة في شمال المغرب، وھو ما یجعلھا بنیویا ضمن المناطق المعرضة للفیضانات. إلا أن ھذا المعطى الجغرافي، على أھمیته، لا یفسر وحده حجم الخسائر المسجلة، إذ یكشف الواقع أن العامل الحاسم یكمن في طبیعة النسیج الاجتماعي والعمراني للمدینة، وفي محدودیة السیاسات الوقائیة الموجھة لحمایة الفئات الأكثر عرضة للخطر.
الأحیاء الھشة في واجھة الخطر
تشیر المعطیات المیدانیة وشھادات السكان إلى أن الأحیاء الشعبیة والھامشیة ھي الأكثر تضررا من الفیضانات. ففي ھذه المناطق، یؤدي ضعف البنیة التحتیة، وغیاب قنوات تصریف فعالة، وانتشار البناء غیر المھیكل، إلى تفاقم آثار أي ارتفاع في منسوب المیاه.
وتتجلى الكلفة الاجتماعیة لھذه الوضعیة في فقدان الأسر لمساكنھا أو لتجھیزاتھا الأساسیة، ما یدفع العدید منھا إلى البحث عن حلول إیواء مؤقتة، غالبا في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة. وھكذا، تتحول الفیضانات من حادث طبیعي إلى عامل مباشر في تعمیق الفقر والھشاشة الاجتماعیة.
اختلال الاستقرار الأسري وتداعیاته
لا تتوقف آثار الفیضانات عند الخسائر المادیة، بل تمتد إلى زعزعة الاستقرار الأسري. فإضطرار الأسر إلى مغادرة منازلھا، ولو بشكل مؤقت، یخلق وضعا اجتماعیا صعبا وھشا، تتداخل فیه مشاكل السكن، الصحة، والحمایة الاجتماعیة، خصوصا بالنسبة للنساء وكبار السن.
وفي ظل غیاب مواكبة اجتماعیة كافیة، تجد العدید من الأسر نفسھا مضطرة للاعتماد على إمكانیاتھا المحدودة أو على التضامن العائلي، ما یعكس ھشاشة شبكات الدعم الرسمیة في حالات الطوارئ.
التعلیم تحت ضغط الكوارث المتكررة
ویعد الأطفال من أكثر الفئات تأثرا بھذه الأوضاع. فتضرر المؤسسات التعلیمیة أو تعلیق الدراسة بسبب الفیضانات یؤدي إلى اضطراب في الزمن المدرسي، ویؤثر بشكل مباشر على التحصیل الدراسي. كما أن تكرار ھذه الانقطاعات یرفع من مخاطر الھدر المدرسي، خاصة في الأوساط الاجتماعیة الھشة.
إلى جانب ذلك، تسجل آثار نفسیة مقلقة في صفوف الأطفال، نتیجة فقدان الإحساس بالأمان والخوف المرتبط بتكرار الكارثة، وھي جوانب نادرا ما تحظى بالاھتمام ضمن التدخلات الرسمیة.
في مقابل ھذا الواقع، یبرز التضامن الاجتماعي كآلیة أساسیة للتخفیف من حدة الأزمة. فقد لعبت الجمعیات المحلیة والمبادرات الفردیة دورا محوریا و حیویا في تقدیم المساعدات الأولیة وإیواء المتضررین.
غیر أن الاعتماد المتكرر على ھذا التضامن یطرح تساؤلات جدیة حول فعالیة التدخلات العمومیة، إذ لا یمكن للتطوع والمبادرات الظرفیة أن تحل محل سیاسات وقائیة واضحة، أو أن تعوض غیاب آلیات مؤسساتیة مستدامة لحمایة السكان.
أزمة وقایة أكثر من كونھا أزمة طوارئ
تكشف فیضانات القصر الكبیر أن الإشكال لا یكمن في تدبیر لحظة الكارثة فقط، بل في غیاب رؤیة استباقیة واضحة. فاستمرار التوسع العمراني في مناطق معرضة للفیضانات، وضعف الاستثمار في البنیة التحتیة الوقائیة، جعلا من ھذه الكوارث أحداثا متوقعة ومتكررة.
وبذلك، تتحول الفیضانات إلى مؤشر على اختلال أعمق في العدالة المجالیة وفي ترتیب الأولویات الاجتماعیة، حیث تتحمل الفئات الھشة كلفة خیارات عمرانیة وتنمویة لم تكن طرفًا في صیاغتھا.
الحاجة إلى مقاربة اجتماعیة قائمة على الوقایة
إن الحد من الآثار الاجتماعیة لفیضانات القصر الكبیر یمر عبر اعتماد مقاربة شاملة تجعل الوقایة محورا أساسیا للتدخل. وتشمل ھذه المقاربة إعادة تأھیل الأحیاء الھشة، توفیر بدائل سكنیة آمنة، إرساء آلیات فعالة لتعویض المتضررین، وتعزیز الحمایة الاجتماعیة في حالات الطوارئ.
فالفیضانات، وإن كانت ظاھرة طبیعیة، فإن تداعیاتھا الاجتماعیة لیست حتمیة. ومع استمرار غیاب حلول جذریة، ستظل القصر الكبیر تعیش على وقع أزمة متكررة، یتحول فیھا الخطر الطبیعي إلى تھدید دائم للاستقرار الاجتماعي.