أكدت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، أن التجارب الرقابية والتقييمية السابقة للمجلس أفضت إلى تحديد أربعة شروط أساسية لتحقيق تأهيل المجالات الترابية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، تنفيذا للتوجيهات الملكية الداعية إلى عدالة مجالية وتنمية متوازنة.
وأوضحت العدوي، خلال عرض قدمته أمام مجلسي النواب والمستشارين حول حصيلة الأعمال القضائية للمحاكم المالية، أن جودة إعداد البرامج التنموية المندمجة تشكل عاملا حاسما في تحقيق أثر ملموس على المواطن والمجال، مشددة على ضرورة الارتكاز على تشخيص مجالي وقطاعي دقيق قائم على نظام معلومات ترابي محين ومتكامل، مع تحديد أهداف قابلة للقياس وضمان مشاركة فعالة لمختلف المتدخلين.
وأضافت أن المجلس يوصي بأخذ الخصوصيات السوسيولوجية والثقافية لكل مجال ترابي بعين الاعتبار عند بلورة البرامج التنموية، مع مراعاة طبيعة المناطق القروية والجبلية التي تعرف تشتتا في السكن، واعتماد حلول مبتكرة لتلبية حاجيات ساكنتها، من بينها تعزيز التمدرس المتنقل، وتوسيع خدمات الطب عن بعد، وتكثيف القوافل الطبية المتخصصة وفق خصوصيات كل منطقة.
وشددت العدوي على أهمية التحلي بالواقعية في إعداد البرامج وتفادي الإعلان عن مشاريع غير قابلة للتنفيذ، عبر تحديد أهداف واضحة ضمن آجال زمنية معقولة وبما يتناسب مع الإمكانيات المالية المتاحة، بما يعزز مصداقية التخطيط الترابي والثقة في الالتزامات العمومية، مشيرة إلى أن معدل إنجاز المشاريع المندرجة ضمن عقود البرامج بين الدولة والجهات خلال الفترة 2020-2022 لم يتجاوز 9 بالمائة.
وأكدت أن تحقيق الأهداف التنموية يقتضي اعتماد مقاربة أكثر تكاملا تقوم على التنسيق المسبق بين مختلف الفاعلين، وربط التمويل بالنتائج المحققة، بما يسرع وتيرة الإنجاز ويثمن أثر الاستثمار العمومي، موضحة أن ضعف التنسيق، وتأخر الدراسات التقنية، وعدم تعبئة العقار في الوقت المناسب، إضافة إلى تفاوت القدرات التدبيرية بين الفاعلين الترابيين، شكلت عوامل أساسية وراء تعثر العديد من المشاريع.
وفي ما يخص استغلال المنشآت وصيانتها، أبرزت العدوي أن إغفال هذه الجوانب منذ مرحلة التصور الأولي أدى إلى عدم تحقيق الأهداف المرجوة، حيث سجلت المحاكم المالية تعثر عدد من المشاريع بسبب غياب تصور مسبق للاستغلال وعدم تحديد الجهة المكلفة بالتشغيل والصيانة، إلى جانب تأخر تسليم المنشآت وإبرام الاتفاقيات الخاصة بها.
وأضافت أن إغفال الكلفة المالية المرتبطة بالصيانة والاستدامة عند إعداد عقود البرامج يؤدي إلى عجز الأطراف المعنية عن تغطية نفقات التشغيل، مذكّرة بأن تقارير المجالس الجهوية للحسابات لسنة 2021 كشفت أن حوالي 48 بالمائة من أصل 2635 مشروعا متعثرا تواجه صعوبات في الاستغلال.
وفي الشق الاجتماعي، أوضحت العدوي أن المجلس واصل للسنة الرابعة على التوالي تتبع تنزيل الورش الملكي للحماية الاجتماعية، مبرزة أن عدد المسجلين في نظام التأمين الإجباري عن المرض بلغ حوالي 31,94 مليون شخص عند نهاية 2024، في حين لم يتجاوز عدد المستفيدين الفعليين الذين يتوفرون على حقوق مفتوحة 25,6 مليون شخص، أي بنسبة تغطية فعلية في حدود 70 بالمائة.
وأشارت إلى أن أنظمة التأمين الإجباري عن المرض تعاني من اختلالات مالية مقلقة، حيث ارتفعت النفقات خلال الفترة 2022-2024 بنسبة تناهز 83 بالمائة، مقابل نمو الموارد بنسبة لم تتجاوز 36 بالمائة، إضافة إلى مخاطر مرتبطة بتأخر أداء الاشتراكات وضعف موثوقية المعطيات المصرح بها.
وأبرزت أن نظام أجراء القطاع العام سجل عجزا متواصلا منذ 2021، رغم تراجعه من 1,51 مليار درهم إلى 861 مليون درهم سنة 2024، مع انخفاض الاحتياطي إلى 5,56 مليار درهم، وهو دون الحد الأدنى القانوني المحدد في سبعة ملايير درهم، فيما سجل نظام المهنيين والعمال المستقلين فائضا سنة 2024 غير كاف لضمان استدامته، بعد تسجيل عجز تقني يقارب 391 مليون درهم سنة 2023.
كما سجل نظام التأمين الخاص بالأشخاص القادرين على دفع الاشتراك دون مزاولة نشاط عجزا حادا بلغ 425 مليون درهم سنة 2024، في حين ارتفع مؤشر النفقات مقابل المساهمات في نظام "AMO تضامن" من 16 بالمائة إلى 94 بالمائة بين سنتي 2022 و2024، مما يشكل تهديدا لاستدامته على المدى المتوسط.
وفي ضوء هذه التحديات، أوصت العدوي بتحيين وتقييم آليات الاستهداف المعتمدة وتفعيل الوكالة الوطنية للسجلات، إلى جانب إنجاز دراسات تقويمية دورية لنجاعة برامج الحماية الاجتماعية، وتنويع مصادر تمويلها بشكل مستدام، مع تعزيز التنسيق بينها وبين السياسات العمومية الاقتصادية والاجتماعية.
كما دعت إلى إرساء إطار خاص للتدبير المالي لنظام التأمين الإجباري عن المرض يحدد موارده ونفقاته السنوية، ويتيح تتبع توازنه واستدامته، مع تطوير نظام معلوماتي موحد، إضافة إلى تسريع تأهيل المؤسسات الاستشفائية العمومية، التي لم تستقطب سنة 2024 سوى 9 بالمائة من إجمالي نفقات نظام "AMO"، مقابل 91 بالمائة لفائدة القطاع الخاص.